الخطيب الشربيني
459
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ومن أمثالهم « 1 » : أوردها سعد وسعد مشتمل * ما هكذا تورد يا سعد الإبل فذمه بالاشتمال بكسائه وجعل ذلك خلاف الجلد والكيس ، وأمر بأن يختار على الهجود التجهد ، وعلى التزمل التشمر والتخفف للعبادة والمجاهدة في الله لا جرم أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قد تشمر لذلك مع أصحابه حق التشمر وأقبلوا على إحياء ليلهم ورفضوا له الرقاد والدعة ، وتجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرّت ألوانهم وظهرت السيما في وجوههم وتراقى أمرهم إلى حدّ رحمهم له ربهم فخفف عنهم ، وقال الكلبي : إنما تزمّل صلى اللّه عليه وسلم بثيابه ليتهيأ للصلاة ، وهو اختيار الفرّاء فهو على هذا ليس بتهجين بل هو ثناء عليه وتحسين لحاله التي كان عليها وأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه ، وعن عكرمة رضي الله عنه أنّ المعنى يا أيها الذي زمل أمرا عظيما أي حمله ، والزمل الحمل . قال البغوي : قال الحكماء : كان هذا الخطاب للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم في أوّل الوحي قبل تبليغ الرسالة ، ثم خوطب بعد بالنبيّ والرسول ، وقال السهيلي : ليس المزمل من أسماء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كما ذهب إليه بعض الناس ، وعدّوه في أسمائه صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما المزمل اسم مشتق من حاله التي كان عليها حين الخطاب ، وكذلك المدّثر . وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان : إحداهما : الملاطفة فإنّ العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لعليّ حين غاضب فاطمة رضي الله تعالى عنهما فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب ، فقال له : قم أبا تراب » « 2 » إشعارا له بأنه غير عاتب عليه وملاطفة له ، وكذلك « قوله صلى اللّه عليه وسلم لحذيفة : قم يا نومان » « 3 » وكان نائما ملاطفة له وإشعارا بترك العتب والتأنيب ، فقول الله تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ فيه تأنيس له وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه . والفائدة الثانية : التنبيه لكل متزمل راقد ليله أن يتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى فيه ؛ لأنّ الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة ، والليل مدّة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر . قال القرطبي : واختلف هل كان قيامه فرضا أو نفلا ؟ والدلائل تقوّي أنّ قيامه كان فرضا ؛ لأنّ المندوب لا يقع على بعض الليل دون بعض ، لأنّ قيامه ليس مخصوصا بوقت دون وقت . واختلف هل كان فرضا على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وحده ؟ أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء ؟ أو عليه وعلى أمته ؟ على ثلاثة أقوال : الأوّل قول سعيد بن جبير رضي الله عنه لتوجه الخطاب إليه .
--> ( 1 ) الرجز للنوار ( زوجة مالك بن زيد مناة ) في لسان العرب ( خنظل ) ولمالك بن زيد مناة في جمهرة الأمثال 1 / 93 ، وفصل المقال ص 347 ، ومجمع الأمثال 2 / 364 ، ولعلي بن أبي طالب في مجمع الأمثال 1 / 406 ، وبلا نسبة في المستقصى 1 / 430 . ( 2 ) أخرجه بنحوه البخاري في المناقب حديث 3703 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 38 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الجهاد حديث 99 ( 1788 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى 9 / 119 .